الجمعة، 19 نوفمبر، 2010

لا تلعن شيئا



أخطر آفاق السلوك التسرع والاندفاع في الحكم على الآخرين، 
وأن ننصب من أنفسنا قضاة نحكم باستحقاق هذا أو ذاك رحمة الله أو لعنته،
والمتأمل يجد أن مجافاة الإسلام لهذه الآفة تنبع من منافاتها لطبيعة الإيمان الصادق الذي من أخص خصائصه الرفق بالخلق، 
فالمؤمن قلبه معلق بالله يرتشف من رحيق رحمته ما يرحم به الآخرين، 
ومن عذب رأفته وعطفه ما يبر به من حوله وبهذا ينسجم الإيمان مع كل معاني الرفق والعطف وينفر من كل غلظة وفظاظة وجحود.
واللعنة بمعناها الشامل المتضمن الطرد من رحمة الله - تعالى -
تمثل أحد مظاهر هذا الاندفاع المذموم الذي تصدى له النبي - صلى الله عليه وسلم - في منهجه التربوي بالعديد من المناهي والتوجيهات
فيقول - صلى الله عليه وسلم -: «إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة»،
«ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء»، 
«لا ينبغي لصديق أن يكون لعاناً»،
«لا يكون المؤمن لعاناً»،
«لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضبه ولا بالنار»،
أي لا تدعوا على الناس بما يبعدهم الله من رحمته إما صريحاً كما تقولون (لعنة الله عليه) أو كناية كما تقولون (غضب الله) أو (أدخله الله النار) 
وقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا تلاعنوا» من باب عموم المجاز لأنه في بعض أفراده حقيقة وفي بعضها مجاز وهذا مختص بمعين، 
لأنه يجوز اللعن بالوصف الأعم كلعن الكافرين وبالأخص كلعن اليهود والمصورين والكافر المعين الذي مات على الكفر كفرعون وأبي جهل.
وعن زيد بن أسلم أن عبد الملك بن مروان بعث إلى أم الدرداء
بأنجاد (جمع نجد وهو متاع البيت الذي يزينه من فرش ونمارق وستور) 
من عنده فلما أن كان ذات ليلة قام عبد الملك من الليل فدعا خادمه فكأنه أبطأ عليه فلعنه فلما أصبح قالت له أم الدرداء سمعتك الليلة لعنت خادمك حين دعوته،
سمعت أبا الدرداء - رضي الله عنه - يقول قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: 
«لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة» 
أي لا يشفعون يوم القيامة حين يشفع المؤمنون في إخوانهم الذين استوجبوا النار ولا يكونون شهداء يوم القيامة على الأمم بتبليغ رسلهم إليهم الرسالات،
وقيل لا يرزقون الشهادة في سبيل الله.
وعن ثابت بن الضحاك - رضي الله عنه - قال (لعن المؤمن كقتله..) 
أي في التحريم أو العقاب أو الإبعاد، 
إذ اللعنة تبعيد من الرحمة والقتل يبعد من الحياة الحسية،
ولعل في هذه الكثرة من الأحاديث النبوية ما يؤكد خطورة أمر اللعنة،
وضرر المجازفة الحمقاء في طرد الآخرين من رحمة الله في غرس معاني الكره والنفرة في الوقت الذي ينبغي أن يكون فيه المجتمع الإيماني متماسكاً برباط المودة والحب،
وأفراده كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً،
بل تتجلى جدية الرسول - صلى الله عليه وسلم - في نزع جذور هذه الآفة من النفوس في أكثر من موقف مع أصحابه الكرام فتارة مرشداً وتارة مستنكراً وتارة معاقباً.
قال جرموز الهجيمي: قلت يا رسول الله أوصني قال: «أوصيك أن لا تكون لعاناً»، 
أي أن لا تلعن معصوماً، 
فيحرم لعن المعصوم المعين فإن اللعنة تعود على اللاعن وصيغة المبالغة هنا غير مرادة.
وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها ثم تأخذ يميناً وشمالاً فإذا لم تجد مساغاً رجعت إلى الذي لعن فإن كان لذلك أهلاً وإلا رجعت إلى قائلها».
قال المناوي في شرح هذا الحديث: ترجع بإذن الله إلى قائلها لأن اللعن طرد من رحمة الله، فمن طرد ما هو أهل لرحمة الله من رحمته فهو بالطرد والإبعاد عنها أحق وأجدره، 
ومحصول الحديث التحذير من لعن من لا يستوجب اللعنة والوعيد عليه بأن يرجع اللعن إليه «إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار»، النور/44.
وعن ابن عباس أن رجلاً لعن الريح عند النبي - صلى الله عليه وسلم - 
فقال: «لا تلعن الريح فإنها مأمورة وإنه من لعن شيئاً ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه»،
وعن زيد بن خالد الجهني قال: لعن رجل ديكاً صاح عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا تلعنه فإنه يدعو إلى الصلاة»
أي إلى قيام الليل بصياحه فيه،
ومن أعان على طاعة يستحق المدح لا الذم،
وقال الحليمي: فيه دليل على أن كل من استفيد منه خير لا ينبغي أن يسب ولا يستهان به،
بل حقه الإكرام والشكر ويتلقى بالإحسان،
وليس في معنى دعاء الديك إلى الصلاة أنه يقول بصراحة صلوا أو حانت الصلاة بل معناه أن العادة جرت بأنه يصرخ صرخات متتابعة عند طلوع الفجر وعند الزوال فطرة فطره الله عليها فهو بصياحه يذكر الناس بالصلاة،
ولا تجوز الصلاة بصراخه من غير دلالة سواه إلا ممن جرب منه ما لا يخلف فيصير ذلك له إشارة

ودمتم بكل الخير

هناك 23 تعليقًا:

  1. آه يا أمولتي من اللعن والدعاء بخراب البيوت والويل ووووووووو حاجه تحزن وتزعل بجد .ربي يهدينا آجمعين

    ردحذف
  2. كلمات من نور
    اللهم امين يارب يارب العالمين

    ردحذف
  3. موضوع جميل جدا ماما اموله والكثير للاسف يتغافل عنه

    اشكرك يا حبيبتي وارجو قبول تعليقي وقبولي كضيفه خفيفه على مدونتك الجميله

    ردحذف
  4. موضوع رائع ياست الكل

    جزاك الله كل خير عنا

    وجعله فى ميزان حسناتك

    تحياتى

    ردحذف
  5. السلام عليكم ورحمة الله
    موضوع مميز ونحن فعلا في حاجة للتذكير به
    بارك الله فيك يا طيبة

    ردحذف
  6. ومن يسمع ماما أمولة ؟
    التفافة رائعة علّ القوم يسمعون
    ويعون ذلك بل يدرجون السب واللعن
    ضمن الكلام اليومي والمزاح مرات .

    صبحك الله بالحب والخير..

    دمتِ لمن تحبي

    ردحذف
  7. الحمد لله على نعمة الإسلام

    ردحذف
  8. ربنا يبارك فيك وليك يا رب
    خالص تحياتى ليك

    ردحذف
  9. د / ولاء
    اهلا بك حبيبتي
    تشرفي اي مكان تكوني فيه
    وجزاك الله كل الخير
    دمت بود

    ردحذف
  10. جايدا العزيزي
    ربنا يخليك يارب ويارب كل الناس تستفيد منه
    دمت بكل الحب

    ردحذف
  11. حلم
    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    شكرا لك حبيبتي
    ربنا يطيب حياتك بكل الخير يارب

    ردحذف
  12. Dr Ibrahim
    وبارك فيك اللهم امين

    ردحذف
  13. romia fahed
    أهلا بك حبيبتي
    كلمة ورا كلمة اكيد ها يسمعوا
    الذكرى تنفع المؤمنين
    شكرا لك ولمرورك الطيب
    دمت بود
    صبحك الله ومساك بكل الخير يارب

    ردحذف
  14. جمهورية فوضى
    الحمد لله عدد ماخلق ما عرفناه وما لم نعرفه
    دمت بخير

    ردحذف
  15. نور شاهين
    دعودتك ليه حلوة
    ربنا يبارك في عمرك ويصلح حالك اللهم امين

    ردحذف
  16. السلام عليكم
    ازى حضرتك يارب تكونى بألف خير انا عارف انى مقصر فى الزيارة من كتير بس والله غصب عنى اما عن الموضوع هى المشكلة كلها فى التعود مع الناس زى اللى بيسب الدين هو عارف ان دى حرام ومصيبة لكن لسانه خد على كدة والله مرة قلت لواحد سب الدين قدامى فابقله استغفر ربنا حرام قالى والله غصب عنى اصلى اتنرفزت ولما بتنرفز مش بحس بأقول أية فا بتطلع كدة دى مشكلة محتاجة للحل

    انا ليا عند حضرتك طلب أحنا عملنا جروب على الفيس للمدونين لسهولة التواصل والانتشار بشكل أكبر وأفضل اتمنى من حضرتك لو مقتنعة بالفكرة تساعدينا بالاعلان عن الجروب على صفحة حضرتك اللينك أهه http://www.facebook.com/home.php?sk=group_150308615029590&ap=1

    ردحذف
  17. السلام عليكم

    ماما اموله العزيزه

    وفقك الله لما يحب ويرضى وجزيتِ خير الجزاء

    نحن دائماً بحاجة لمن يذكرنا وينصحنا..

    مدونتكِ اكثر من رائعه ولي عودة بإذن الله

    تقبلي حبي واحترامي

    ردحذف
  18. نحن فى انتظار جديدك

    ردحذف
  19. مساك الله بالخير
    جزيت خيراً على هذا الطرح الدعوي
    فكثير ما نذنب لعناً وسباباً وشتماً
    بحثت فنقبت بجهد مقل عن كفارة اللعن فلم أجد
    غير أن يتوب صاحبه او معتاده منه
    فلا يجعله أليف اللسان
    فالشر يحلو على الألسن بدأً لتأتي من بعده مرارة الندم
    يزين لنا الشيطان بأن الغضب يبيح فحش العتب
    ولكنها اوهام يتعلق بها الغافل ليمرر زلاته وذنوبه

    وكلنا يخطيء إلا من رحم الله

    نسأل الله العفو والعافيه


    لك مني شكر وتقدير

    ردحذف
  20. في انتظار جديدك وجزاك الله خير الجزاء

    ردحذف
  21. سأعود لنسائم الروح
    تقديري لكم أحبتي

    ردحذف